هو أكثر من فنجان قهوة

أطلعني أحد الزملاء على “هبة” جديدة تقتحم المجالس، يقول: إن بعضهم أصبح يضع في زاوية المجلس آلة أوتوماتيكية لتحضير القهوة ! كما أن آخرين قاموا بتوزيع “ترامس” الشاي ودلال القهوة على الطاولات الصغيرة حول الضيوف !.

‏والهدف “العملاني” وراء ذلك -كما يبدو- ، هو تيسير عمليات شرب القهوة !! .. بحيث يخدم كل شخص نفسه، وعلى ذوقه، و بالوقت الذي يريد.

ويفوت على هؤلاء التعمق في تلك الطقوس التي توارثناها، وما يقف خلفها من فلسفات، وعمق أخلاقي وثقافي عميق، فهي لم تبتدع فقط لتسيير مصالح مادية جافة ومحدودة.

وقوف المضيف بدلة القهوة، فيه دلالة على الاهتمام بالضيف، واحترامه، وإضفاء مزيد من الخصوصية والتكريم له، هذا الطقس البسيط، والغير مفهوم لدى السطحين، يحمل خلفه عمقا أخلاقيا كبيرا، يزرع صفات الكرم والاحترام في نفوس الناس، و قيم إجتماعية راقية، تعزز علاقات بعضهم ببعض.

كما أن تقدم الأصغر سنا بحمل الدلة، وخدمة الضيوف -بدأ بالأكبر سنا فالأصغر- يعزز قيمة احترام الصغير للكبير، والولد لوالده، وأعمامه، وكبار السن في مجتمعه.

كل تلك القيم الجميلة والراقية تتساقط، أمام غاية “عملانية” جافة، تصب جل تركيزها في تطوير وتسهيل عملية إيصال القهوة إلى معدة الضيف !!!!

أحبتي، إننا بإسقاط هذه العادات، وتلك الطقوس، دون اعتبار لعمقها وما ورائياتها، نؤسس لثقافة جديدة، جافة، غائية، وبراغماتية صرفة، خالية من أي عمق أخلاقي وثقافي، ونحطم هويتنا ومن نكون، باسم التطوير والتيسير والعملانية.

فالأكيد إنه ليس مجرد “فنجان قهوة”.

محمد آل عبداللطيف ٢٠٢٢

أضف تعليق